المخطوط بقلم كريم قاسم

المخطوط

قصة قصيرة

************

جلست انا و زملائي الفيزيائين و الرياضين في مقهى جامعة كامبردج الانجليزية العريقة ، كانت الساعة تشير الى الواحده و النصف ظهرا ، الجو رمادي غائم بارد و لكن دون مطر ، كنا قد انهينا للتو مؤتمرا علميا في فيزياء الجسيمات الاوليه استمر 3 ايام ، استمعنا فيه الي اخر ما توصل له علم الفيزياء والرياضيات ، فهما تؤامان لا ينفصلان ، خلال المؤتمر التقيت استاذي الذي اشرف علي رسالتي حينما كنت ادرس ، قلت له انني مازلت لا افهم الكثير مما يقال في هذة المحاضرات ، فابتسم وقال: و انا كذلك ! .

اتفقنا ان نستأجر كوخا ريفيا في محيط كامبردج لنقضي اليومين المتبقيين لنا بالاستمتاع بالريف الانجليزي والتأمل قبل الرجوع الى ديارنا ، و صلنا الكوخ الذي كان على تلة مرتفعة قليلا تحيط بها مساحات خضراء شاسعة مدهامه ولا يكاد يرى اي بيت علي مد النظر كانت اخر ساعة من العصر، حل الظلام علينا مبكرا كما هي العادة في ايام الشتاء القصيرة .

تم بناء هذا البيت الريفي سنة 1734م هكذا كتب علي مدخله و يتكون من 7 غرف نوم في الطابق العلوي ومساحات واسعة للجلوس ومطبخ في الطابق الارضي ، طبعا البيت لم يبقى على حاله الذي بني عليه ، فقد جرت له عمليات ترميم وزود بنظم الحياة الحديثة من ماء و كهرباء و تلفاز ، كما ان نظام التدفئة فيه يعمل على الكهرباء وزود بعداد يجب شحنه بالعملة المعدنية فقط كي يعمل ، كما وضعت لنا كمية من الحطب كي نستخدمها في المدفأة الحجرية في صالة الجلوس.

انتابني شعور مختلط بالسعادة والرهبه في نفس الوقت فأنا في بيت عمره حوالي 300 عام ولا بد ان ساكنيه كانوا هنا و كان لهم فيه من حلو الذكريات ومرها ، و لكنهم رحلوا !! ، ربما لم يدر في خلد احد منهم ان يمتد الزمن ويسكن هذه الدار في يوم من الايام رهط من الرجال اتوا من اقصى الارض ، كم رغبت وانا استكشف المكان ان استنطق تلك الجدران القديمة و اسالها عما حدث و عما رأت علي مر هذة السنين .

تناولنا طعام عشاء خفيف وجلسنا على الارائك الوثيرة في نصف دائرة حول المدفأة الحجريه ، اخترت ان اشرب كوبا من القهوة دون سكر اعددته بنفسي من آلة صنع القهوة ، آه .. كم احب رائحتها ، فتجدني استنشقها اولا ثم احتسيها على مهل واضمها بيدي الثنتين !!! حالة من العشق ... لا محاله .

تحدثنا مطولا عن ما حصلناه من معارف جديدة وما قدمناه انا و زميلي حكيم من اوراق بحث للمؤتمر ، وتحاورنا و اختلفت آراءنا ازاء كيفية تمويل بحوث العلوم الاساسيه وضرورة دعم المجتمع لها .

رغم اننا كنا جماعة في هذة الرحلة الا ان ايجاد مساحة للعزله و التأمل الفردي هى الاصل ، ليجد كل منا خلوة ينقطع فيها عن العالم برهة من الزمن يرجع فيها الى معارفة يرسخ بعضها و ينقض بعضها ، فلن نلتقي بشكل جماعي مرة اخري الا على العشاء في الليلة القادمه ، او اذا حصل طارئ يستدعي الاجتماع هذا ما اتفقنا عليه .

فى غرفتي القديمة سرير مزدوج و دولاب ملابس و طاولة و كرسي جميعها صنعت من خشب صلب ثقيل بلون بني محروق يوحي بالقدم ، الانارة كانت تأتي من مصباحين على جانبي السرير ولا شئ في السقف المائل سوي فتحة زجاجية بحجم نافذة متوسطه ، اظنها لم تكون في البناء الاول للبيت ، كنت اذا أستلقيت علي السرير استطيع النظر من خلالها الى السماء ، نظرت من النافذة الجانبية فلم ارى الا انعكاس صورتي على زجاجها ، شعرت برغبة في الخروج خارج البيت و فعلت .

كانت ليلة مدلهمه شديدة السواد باردة فيها رياح و مطر خفيف ، اصوات الحشرات و حفيف اوراق الشجر و اصوات حيوانات مفترسه بعيدة ، للحظات شعرت بالخوف من أن يهجم علي احدها بغتة .

اطفأت المصابيح ودسست نفسي في اغطية السرير مستلقيا و جعلت انظر خلال الزجاج ، كان الظلام حالكا ، ادرت النظر في الغرفة فلمحت مكتبة كتب لم الاحظها من قبل ! تأملتها ، تقدمت منها ببطء و جعلت انظر الي عناوين الكتب و لفت نظري كتاب يبدو عليه القدم له غلاف من الجلد له لون بني شاحب تربط بين دفتيه اربطة جلدية ايضا ، حملته بين يدي ثم جلست الي الطاولة و بدأت اقلب صفحاته المهترءه بعنايه ، قرات فيه كلمات مخطوطة باليد و بلغة عربية صحيحة ان هذا الكتاب سيأخذك الى عالم الحكمة المدهش فما عليك الا الاستمرار في قراءة صفحاته ، و ماهي الا دقائق و كان صوت جرس و صهيل فرس ، نظرت من النافذة و اذا بعربة تجرها الخيول مذهبة ولها لون احمر قان تقف علي باب منزلنا ، فتحت الباب للطارق فانحني انحناءة طفيفة وقال ان جلالة الملك يدعوك الى حفل الجمعية الملكية للعلوم و جئت لاصطحبك ، و ما كنت لارد دعوة الملك ، فارتديت حلة الحفلات و اعتمرت شعرا طويلا أبيض اللون فيه لفائف ووضعت قبعة سوداء ثلاثية الزوايا و سترة سوداء فيها نقوش بخيوط ذهبية تصل الى ركبتي و حذاء جلدي اسود طويل الرقبه يصل الى أدني من ركبتي قليلا ، اسرعت بنا العربه في طرقات مرصوفة باحجار و انارة خافته ، لا ادري كم من الوقت استغرق الطريق ، و لكن وصلنا الى قصر مهيب ، و فتح لي الحارس باب العربه و نزلت منها و صعدت درجات معدودات فاصبحت في البهو الرئيس للحفل.

ما هي الا دقائق حتى صمت كل شئ ودوت اصوات ابواق و مزامير ثم صدح احدهم بصوت عالي " جلالة الملك " ثم "صاحبة السمو الاميرة احلام" ... استقر الملك و الاميرة على اريكتين مميزتين في صدر البهو ، و جلس الجميع بعدما جلسا على الكراسي في مجموعات على مناضد دائريه عليها ما لذ و طاب من الطعام و الشراب و في الركن مجموعة تعزف مقطوعات موسيقية هادئة و عذبه ، انشغل الملك و الاميرة بحديث جانبي مع كبار القوم ، و من ثم قدم للحفل بصوت مرتفع "السير/ اسحاق نيوتن" الذي قام خطيبا و تكلم بلسان عربي مبين عن قوانين الحركة ، وابحاثة في الضوء و عن طبيعة الضوء الجسيمية اي ان الضوء عبارة عن جسيمات و تنطبق عليها كل قوانين الحركة ، فيما بعد حدثتة عن ابحاث الحسن بن الهيثم في طبيعة الضوء الموجية وان جمع الطبيعتين الجسيمية و الموجية ربما يقودنا الى اكتشاف قوانين اكثر تقدما لوصف الطبيعة .

انتهي الحفل الخطابي و علا صوت الموسيقي ، تقدم مني رجل دعاني للسلام علي الملك ، و تقدمني نيوتن و رهط من القوم ، و لما جاء دوري صافحت الملك و همس "العام القادم في مثل هذا اليوم كن في لندن" لم اكن واثقا مما قال لي و اصابتني الحيره، زالت ... عندما خطوت في هالة سحريه في مجال مكاني غمرني شعور منعش مدهش و تقدمت اصافح الاميرة "احلام" وهالني الجمال الذي دخلت في حضرته وها انا انظر الي الارض ثم ارفع نظري الي ثوبها الازرق المنفوش من خصرها الضامر ثم الصدر ثم الوجه والتقت العيون وجعلت أتأمل ملامحها الصافية الاديم فلو كان للعذوبة لون لكان لونها، هي من النساء اللآتي يترنم بهن الشعراء ، وجهها قمر ، و شعرها ظل وارف ، و قامتها نخلة ممشوقة ، و عيناها عينا ماء عذب ، و ابتسامتها اصابتني بسهمها. قبلت يدها و انطلقت ، وارجعت النظر اليها بقضاء محتوم و التقت النظرات مرة اخري ، ما عدت اطيق الجلوس و ظهر علي قلق السعادة ، حتى لم اتمالك نفسي ، وقد بدأ الحفل يرقص علي انغام الموسيقي ، لم اشعر الا و انا امامها وفى دهشة من الجميع طلبتها لتراقصني ، قبلت ... و ابتسم الملك ... تشابكت يد بيد ... ووضعت الاخرى علي القد في الخصر ... وضممت جسدها حتى تلامس الصدر بالصدر ... و اختلطت الانفاس ... اغمضت العيون و ساد السكون ... صمت كل من حولنا .... و لم اعد اسمع الا ايقاع تناغم قلبينا ينشر السحر ... عطش ... اقتربت هي واقتربت انا ، و تلامست شفتانا .... و فجاءة شعرت بقرصة برد و تجمدت اطرافي حاولت الاندساس اكثر تحت الاغطيه ، و فتحت عيناي فوجت ان الصبح قد تنفس والجو بارد جدا في غرفتي ، تساءلت مالذي حدث؟ لففت جسدي بغطاء ثقيل ، و نزلت لاجد زملائي و قد اجتمعوا حول المدفأة و اشعلوا الحطب ، قلت : ما الخطب ؟ قالو : نفذ شحن عداد الكهرباء وتوقف نظام التدفئه ، و ليس لدينا عملة معدنية !!! ، اعددت كوبا من القهوه ، و انكمشت بجوار النار بصمت ولم احدث احدا واغمضت عيناي لعلي ارجع !

انتهت ...

**************

كريم

تعليقات